ابن تيمية
55
مجموعة الرسائل والمسائل
عليه كله أنه مخلوق ولا أنه غير مخلوق ، بل ما اتصف به الرب من ذلك فهو غير مخلوق ، وما اتصف به العبد من ذلك فهو مخلوق ، فالصفة تتبع الموصوف ؛ فإن كان الموصوف هو الخالق فصفاته غير مخلوقة ، وإن كان الموصوف هو العبد المخلوق فصفاته مخلوقة ، ثم إذا قرأ بأم القرآن وغيرها من كلام الله فالقرآن في نفسه كلام الله غير مخلوق ، وإن كان حركات العباد وأصواتهم مخلوقة ، ولو قال الجنب : " الحمد لله رب العالمين " ينوي به القرآن منع من ذلك وكان قرآناً ، ولو قاله ينوي به حمد الله لا يقصد به القراءة لم يكن قارئاً وجاز ذلك ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر " رواه مسلم في صحيحه . فأخبر أنها أفضل الكلام بعد القرآن وقال هي من القرآن ، فهي من القرآن باعتبار ، وليست من القرآن باعتبار ، ولو قال القائل : " يا يحيى خذ الكتاب " ومقصوده القرآن كان قد تكلم بكلام الله ولم تبطل صلاته باتفاق العلماء ، وإن قصد مع ذلك تنبيه غيره لم تبطل صلاته عند جمهور العلماء ، ولو قال لرجل اسمه يحيى وبحضرته كتاب : يا يحيى خذ الكتاب لكان هذا مخلوقاً لأن لفظ يحيى هنا مراد به ذلك الشخص وبالكتاب ذلك الكتاب ، ليس مراداً به ما أراده الله بقوله : " يا يحيى خذ الكتاب " والكلام كلام المخلوق بلفظه ومعناه . وقد تنازع الناس في مسمى الكلام في الأصل ، فقيل هو اسم اللفظ الدال على المعنى ، وقيل المعنى المدلول عليه باللفظ ، وقيل لكل منهما بطريق الاشتراك اللفظي ، وقيل بل هو اسم عام لهما جميعاً يتناولهما عند الإطلاق وإن كان مع التقييد يراد به هذا تارة وهذا تارة . هذا قول السلف وأئمة الفقهاء وإن كان هذا القول لا يعرف في كثير من الكتب ، وهذا كما تنازع الناس في مسمى الإنسان هل هو الروح فقط أو الجسد فقط ؟ والصحيح أنه اسم للروح والجسد جميعاً ، وإن كان